English Français Urdu Malay عربى
 
   
   
 
 

     
   
 
هل أُمِر النبي صلى الله عليه وسلم ‏بقتال الناس؟
 
 
ربما يشكل على هذا الكلام حديث النبي ﷺ الذي يقول فيه: «أمرت أن أقاتل الناس حتى ‏يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ‏ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله» [رواه الشيخان].‏
لقد كان الحديث مشكلاً حقًا لو كان نصه هكذا: «أمرت أن أقتل الناس حتى...» إذ هو ‏يتناقض عندئذ مع سائر الآيات والأحاديث الكثيرة الأخرى الدالة على النهي عن القسر ‏والإكراه. ‏
أما التعبير بـ«أقاتل»، وهي الكلمة التي عبر بها رسول الله ﷺ فيما أجمع عليه الرواة، ‏فليس فيها لدى التحقيق ما يناقض النصوص والدلائل، ومن ثم فليس في فهم الكلمة أي ‏إشكال. ‏
وبيان ذلك أن كلمة «أقاتل» على وزن «أفاعل»: تدل على المشاركة، فهي لا تصدق إلا ‏تعبيرًا عن مقاومة من طرفين، بل هي لا تصدق إلا تعبيرًا عن مقاومة لبادئ سبق إلى ‏قصد القتل. فالمقاوم للبادئ هو الذي يسمى مقاتلاً، أما البادئ فهو أبعد ما يكون عن أن ‏يسمى مقاتلاً، بل هو في الحقيقة يسمى قاتلا، بالتوجه والهجوم أو بالفعل والتنفيذ، إذ لا ‏ينشأ معنى الاشتراك إلا لدى نهوض الثاني للمقاومة والدفاع. ‏
ألا ترى أنك تقول: «لأقاتلن هؤلاء على ممتلكاتي، أو على عرضي»، فلا يفهم أحد من ‏كلامك هذا إلا أنك عازم على مقاومة العدوان منهم على مالك أو عرضك، فقتلك لهم إنما ‏يأتي بعد توجههم إليك بالعدوان. ‏
إذن فما هو معنى الحديث على ضوء هذا الذي أوضحناه؟ ‏
معناه: أمرت أن أصد أي عدوان على دعوتي الناس إلى الإيمان بوحدانية الله، ولو لم ‏يتحقق صد العدوان على هذه الدعوة إلا بقتال المعادين والمعتدين فذلك واجب أمرني الله ‏به ولا محيص عنه. ‏
وهذا من قبيل قوله ﷺ يوم الحديبية: «..وإن هم أبوا فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على ‏أمري هذا حتى تنفرد سالفتي». [رواه البخاري]. ولعلك تعلم أن رسول الله ﷺ قال هذا ‏لبديل بن ورقاء، وهو يدعو قريشًا إلى السلم ويحذر قريشا من مواصلة الحرب التي قد ‏أنهكتهم. ‏
فما معنى قوله ـ والحالة هذه ـ فإن هم أبوا فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا؟ إن ‏كلامه هذا نص قاطع في الدلالة، على أنه ـ وهو يجنح بهم إلى السلم ـ سيقابل عدوانهم ‏القتالي بالمثل إن هم أبوا إلا ذلك. فهذا المعنى هو ذاته المقصود بقوله: «أمرت أن أقاتل ‏الناس..». ‏
وقد حكى البيهقي عن الإمام الشافعي قوله: «ليس القتال من القتل بسبيل، وقد يحل قتال ‏الرجل ولا يحل قتله». ‏
وقد نبه إلى هذا المعنى وأهمية الوقوف عليه الحافظ ابن حجر في كتابه فتح الباري ‏‏(1/58)، فقال بصدد شرحه لهذا الحديث ما نصه: «وسئل الكرماني هنا عن حكم تارك ‏الزكاة، وأجاب: بأن حكمها ـ أي حكم تارك الصلاة وتارك الزكاة ـ واحد، لاشتراكهما في ‏الغاية. وكأنه أراد في المقاتلة، أما في القتل فلا. والفرق أن الممتنع عن إيتاء الزكاة يمكن ‏أن تؤخذ منه قهرًا، بخلاف الصلاة. فإن انتهى إلى نصب القتال ليمنع الزكاة قوتل، وبهذه ‏الصورة قاتل الصديق مانعي الزكاة». ‏
ثم قال الحافظ ابن حجر: «وعلى هذا ففي الاستدلال بهذا الحديث على قتل تارك الصلاة ‏نظر، للفرق بين صيغتي: «أقاتل» و«أقتل» والله أعلم. وقد أطنب ابن دقيق العيد في ‏شرح العمدة في الإنكار على من استدل بهذا الحديث على ذلك ـ أي على قتل تارك ‏الصلاة ـ وقال: لا يلزم من إباحة المقاتلة إباحة القتل؛ لأنه المقاتلة مفاعلة تستلزم وقوع ‏القتال من الجانبين على ذلك». ‏
فإذا كان الاستدلال على قتل تارك الصلاة بهذا الحديث باطلاً ـ كما يقول ابن حجر ‏وغيره ـ لأن رسول الله ﷺ عبر في حقه بكملة المقاتلة لا القتل. فكيف يصح الاستدلال ‏بالحديث ذاته على قتل من أبى الدخول في الإسلام، مع أن تارك الصلاة عمدًا يتحمل ‏عهدة التكليف بمقتضى كونه مسلمًا كما يتحمل عهدة الإذعان لعقوبات الحدود، أما غير ‏المسلم فلا يتحمل عهدة أي شيء من ذلك؟!..‏
إذن فهذا الحديث لا يشكل أي معارضة أو عثرة في الطريق إلى ما قدر قررناه وعلمناه ‏من أن الدعوة إلى الإسلام يجب أن تتم في نطاق الاختيار وحرية اتخاذ القرار. ‏
ومن هنا كان الرأي القائل بأن الدعوة إلى الإسلام عن طواعية واختيار، قد نسختها آية ‏السيف وحديثه، رأيًا ضعيفًا، بل هو أقرب إلى البطلان منه إلى الضعف.‏