English Français Urdu Malay عربى
 
   
   
 
 

     
   
 
متى يثبت الكفر، وما هي موجباته
 
 
إنما نعني هنا بالكفر، الكفر الطارئ الذي يعبر عنه بالردة، إذ تلك هي التهمة التي ‏يلصقها بحكام المسلمين، أولئك الذين يبررون الخروج عليهم. ‏
ولننبه هنا إلى الأسباب الكلية التي تستوجب الردة، بقطع النظر عن الجزئيات الكثيرة ‏التي تندرج في داخلها. ‏
إن موجبات الردة لا تخرج عن أن تكون من نوع الأقوال أو الأفعال أو ما يدخل في ‏نطاق السخرية والتحقير. ‏
أما ما يستوجب الردة من الأقوال، فهو كل ما كان تعبيرًا صريحًا عن إنكار ركن من ‏أركان الإسلام أو الإيمان، أو عن إنكار حكم من الأحكام الإسلامية المعروفة من الدين ‏بالبداهة والضرورة، أي بحيث يستوي في معرفته واليقين به العالم والجاهل من عامة ‏الناس. ‏
وأما ما يستوجبها من الأفعال، فهو كل فعل يحمل دلالة قاطعة على شيء يتناقض مع ‏ركن من أركان الإيمان أو الإسلام، كالسجود لصنم، وكالتزيي بزي يحمل دلالة دينية ‏معروفة لدى الناس جميعًا تناقض الإسلام مناقضة حادة. ‏
وأما ما يستوجبها من السخرية والازدراء أو الاحتقار، فمآله إلى أن يكون داخلا في ‏زمرة الأقوال أو الأفعال، ولكن العلماء أفردوه بنوع ثالث، لعدم توفر الجد الذي من ‏شأنه أن يتوافر في النوعين السابقين. ‏
وضابط السخرية أو التحقير المستوجبين للكفر أو الردة، أن يسخر من شيء من أركان ‏الإسلام أو الإيمان، أو من أي حكم من الأحكام الإسلامية الثابتة والمعروفة للجميع ‏بالبداهة والضرورة، أو أن يحتقره بوسيلة واضحة من وسائل التحقير، كأن يسخر من ‏الصلاة أو الحج أو الزكاة أو من الجنة والنار بوسيلة قاطعة في الدلالة على السخرية، ‏أو أن يحتقر القرآن احتقارًا واضحًا. ‏
فتلك هي موجبات الردة وأنواعها: وإذا تبينت القاعدة الكلية في ذلك، فإنك لن تتيه في ‏جزئيات الأمثلة الكثيرة وبوسعك أن تصنفها طبقًا لما أوضحناه، فيتبين لك ما كان منها ‏موجبًا لكفر وما لم يكن منها موجبًا لذلك. ‏
ولا نعرف لدى العلماء خلافًا في هذا الذي أوضحناه، اللهم إلا ما هو معروف من أمر ‏الخوارج وتكفيرهم بارتكاب المعاصي..وهم خارجون في هذا عن إجماع الملة متنكبون ‏عن صراط الله عز وجل. ‏
فهل يرعى الخارجون اليوم على حكامهم، أو الذين يحفزون المسلمين ويهيجونهم ‏للخروج على حكامهم وقتالهم، هذه القاعدة التي لا نعلم خلافا فيها، بصدد مواقفهم التي ‏يقفونها من الحكام؟ ‏
إن القاعدة التي أوضحناها، لا يمكن تطبيقها إلا على آحاد الناس، فردًا فردًا كلاً على ‏حدة.. أما هؤلاء فأحكامهم جماعية دائمًا، وتكفيرهم موجه للعموم لا للأفراد. ‏
وقرار التجريم بالكفر الجماعي لهؤلاء الحكام، يستند عندهم إلى عدم الحكم بما أنزل ‏الله، سواء في حق أنفسهم أو في حق شعوبهم، ونظرًا إلى أن الله عز وجل قد قال: ‏‏﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون﴾ [المائدة: 44]، فقد أصبح جميع ‏حكام البلاد العربية والإسلامية كفارًا. ‏
إن هذا القرار ينطوي على جنوحين عن الحق الذي لا نعلم فيه خلافا لدى المسلمين، ‏عدا الخوارج كما أوضحنا: ‏
أولهما: التكفير الجماعي دون تبين لموجبات الكفر عند كل فرد فرد على حدة. ‏
ثانيهما: اعتبارهم مجرد الحكم بخلاف شرع الله كفرًا. ومن الواضح أن ذلك لا يدخل ‏في أي من المكفرات القولية أو الفعلية أو الاستهزائية التي سبق بيانها. ‏
إن عدم حكم المسلم بشريعة الإسلام، قد يكون بدافع تكاسل، وقد يكون بدافع ركون منه ‏إلى شهوة من شهواته أو مصلحة من مصالحه الدنيوية، وقد يكون بدافع إنكار منه ‏لشرع الله عز وجل. ولا يستبين أحد هذه الدوافع إلا بالبينة والبرهان، فإن لم يوجد دليل ‏على واحد منها، فالاحتمالات الثلاثة قائمة وإذا وقع الاحتمال كان افتراض دافع معين ‏منها دون غيره تحكما، ومن ثم يسقط الاستدلال به..ويبقى الأصل معمولا به، وهو ‏الإسلام، بموجب قاعدة: الأصل بقاء ما كان على ما كان. ‏
إننا لو جارينا هؤلاء الناس، فأطلقنا الحكم بكفر كل من حكم بغير شرع الله عز وجل، ‏لسرى حكم التكفير هذا على كثير من الآباء والأمهات، وعلى كثير من ذوي السلطة ‏والقيادة الجزئية في مؤسسات أو مصانع أو معاهد أو أحياء، إذ ما أكثر الذين يتنكبون ‏من هؤلاء جميعا عن الحكم بشرع الله، ويحملون رعاياهم إن في البيوت أو المؤسسات ‏أو المعاهد أو الأسواق والأحياء، على اتباع أحكام أخرى غير أحكام الله عز وجل. ‏
بل إن إطلاق هذا الحكم، يقتضي الحكم بكفر كل مرتكب لمعصية في حق نفسه، إذ هو ‏لم يزج نفسه في المعصية إلا بموجب حكم حكم به على نفسه، ألا ترى أن الذي يذهب ‏إلى الحانة ويطلب من النادل أن يأتيه بزجاجة خمر، قد أدلى من خلال طلبه هذا بحكم، ‏وأنه حكم بغير ما قد أنزل الله؟ ‏
فهل يفتي أو يقضي هؤلاء بكفر هؤلاء الناس جميعًا؟!‏
إن هذا القضاء لو صدر منهم، لاقتضى ذلك تكفير كل عاص حكم على نفسه بغير ‏شرع الله، وإذن لآل حال كل عاص إلى الكفر!‏
ومن المعلوم أن هؤلاء الناس، أي الذين يحكمون على قادة المسلمين بالكفر، لا يعممون ‏حكمهم هذا في حق أمثالهم من الناس جميعًا. ‏
فما سمعنا منم أحدًا يكفر والدًا أمر ابنته بخلع الحجاب، أو أمر ابنه بالعمل في مصرف ‏ربوي، أو يكفر تاجرا أمر أجيره أو شريكه بالغش في المعاملة، أو بممارسة عقد غير ‏شرعي، وإنما التكفير لهذا الموجب، موجه إلى الحكام والقادة فقط..!‏
ولا شك أن هذا التفريق الذي لا معنى له، إنما هو نتيجة حكم اعتباطي يقود إليه ‏التشهي، والرغبة المزاجية في التكفير أو عدمه، ونسأل الله تعالى أن يحررنا من ‏حاكمية الشهوات والأهواء. ‏
والمهم أن نعود بعد هذا فنعلم ما هو مقرر في سائر كتب العقيدة والفقه من أن مدار ‏الأمر في أصل كل من الكفر والإسلام على الاعتقاد، فإذا ترتب على القول أو الفعل ‏حكم بالتكفير، فذلك لأن القول أو الفعل يحمل دلالة قاطعة على اعتقاد مكفر. فأما إن لم ‏تكن له على ذلك دلالة قاطعة بينة، بل تعددت الاحتمالات الممكنة، لم يجز ترتيب حكم ‏الارتداد أو الكفر عليه، وانحصرت دلالة ذلك القول أو الفعل عندئذ على الفسوق ‏والعصيان، مع إحالة باطن الأمر إلى الله عز وجل. ‏
وقد أوضح الإمام أحمد هذه الحقيقة التي لا نعلم فيها خلافًا. والإمام أحمد أورع أئمة ‏المسلمين في هذا وأكثرهم حيطة لدين الله عز وجل، فهو الذي يقول فيما يرويه عنه ابن ‏قدامه: «من قال الخمر حلال، فهو كافر يستتاب، فإن تاب وإلا ضربت عنقه. وهذا ‏محمول على من لا يخفى على مثله تحريمه لما ذكرنا. فأما إن أكل لحم الخنزير أو ‏ميتة أو شرب خمرًا، لم يحكم بردته بمجرد ذلك، سواء فعله في دار الحرب أو دار ‏الإسلام، لأنه يجوز أن يكون فعله معتقدًا تحريمه، كما يفعل غير ذلك من المحرمات» ‏‏(‏ ‏).‏
إذن، فقد تضح أن الخروج على قادة المسلمين وحكامهم، خروج محرم، وافتئات على ‏شرع الله وأمره، فضلا عن أن يكون مباحا، فضلا عن أن يسمى جهادا في سبيل الله، ‏ما لم يعلن واحد من هؤلاء القادة كفرًا صريحًا بالله عز وجل، بمقتضى قاعدة التكفير ‏التي تم بيانها. ‏